القرطبي

253

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى ، وذلك قول يعقوب : " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " [ يوسف : 86 ] أي من جميل صنعه ، وغريب لطفه ، وعائدته على عباده ، فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه ، إلا أن يكون على وجه البث والتسلي ، كما قال ابن دريد : لا تحسبن يا دهر أني ضارع * لنكبة تعرقني عرق المدى مارست من لو ( 1 ) هوت الأفلاك من * جوانب الجو عليه ما شكا لكنها نفثة مصدور إذا * جاش لغام ( 2 ) من نواحيها غما قوله تعالى : ( وجئنا ببضاعة ) البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شئ ، تقول : أبضعت الشئ واستبضعته أي جعلته بضاعة ، وفي المثل : كمستبضع التمر إلى هجر ( 3 ) . قوله تعالى : ( مزجاة ) صفة لبضاعة ، والإزجاء السوق بدفع ، ومنه قوله تعالى : " ألم تر أن الله يزجي سحابا " ( 4 ) [ النور : 43 ] والمعنى أنها بضاعة تدفع ، ولا يقبلها كل أحد . قال ثعلب : البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة . واختلفت في تعيينها هنا ( 5 ) ، فقيل : كانت قديدا وحيسا ( 6 ) ، ذكره الواقدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وقيل : خلق الغرائر والحبال ، روى عن ابن عباس . وقيل : متاع الأعراب صوف وسمن ، قال عبد الله بن الحارث . وقيل : الحبة الخضراء والصنوبر وهو البطم ، حب شجرة بالشام ، يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون ، قاله أبو صالح ، فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام ، وتنفق فيما بين الناس ، فقالوا : خذها منا بحساب جياد تنفق في الطعام . وقيل : دراهم رديئه ، قاله ابن عباس أيضا . وقيل : ليس عليها صورة يوسف ، وكانت دراهم مصر عليهم صورة يوسف . وقال الضحاك : النعال والأدم ، وعنه : كانت سويقا منخلا . والله أعلم .

--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) الزبد ، وهوما يلقيه البعير من فمه ، وغما : سقط ، يقال : غما البعير إذا رماه ينفض رأسه ومشفره . ( 3 ) هجر : مدينة بالبحرين . ( 4 ) راجع ج 12 ص 287 . ( 5 ) من ع وى . ( 6 ) كذا في الأصول وفى البحر : قديد وحش .